الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

288

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل

3 - قسم من مرحلة ما بعد البعث . الآية الأولى تذكر الإنسان بمقدمات البعث والقيامة فتقول : إن انهيار معالم الشكل الراهن للعالم هي أول مقدمات البعث ، وسيتم هذا التغيير لشكل العالم من خلال مجموعة مظاهر ، في الطليعة منها تسيير الجبال الرواسي وكل ما يمسك الأرض ويبرز عليها ، حتى تبدو الأرض خالية من أي من المظاهر السابقة : ويوم نسير الجبال وترى الأرض بارزة . هذه الآية تشير إلى حوادث قبيل البعث ، وهي حوادث كثيرة جدا . والملاحظ أن السور القصار تتحدث عنها بشكل بارز في إطار حديثها عما بات يعرف اصطلاحا ب‍ " أشراط الساعة " . إن المستفاد من مجموعة تلك السور أن وجه العالم الراهن يتغير بشكل كلي حيث تتلاشي الجبال ، وتنهار الأبنية والأشجار ، ثم تضرب الأرض سلسلة من الزلازل ، وتنطفئ الشمس ، ويخمد نور القمر ، وتظلم النجوم . وعلى حطام كل ذلك تظهر إلى الوجود سماء جديدة ، وأرض جديدة ، ليبدأ الإنسان حينئذ حياته الأخرى في مرحلة البعث والحساب . بعد ذلك تضيف الآية قوله تعالى : وحشرناهم فلم نغادر منهم أحدا . " نغادر " من " غدر " بمعنى الترك . ولذلك يقال للذي يخلف الوعد والميثاق ويتركه بأنه " غدر " ويقال لمياه الأمطار المتجمعة في مكان واحد ب‍ " الغدير " لأنها قد تركت هناك . في كل الأحوال ، تؤكد الآية الآنفة الذكر على أن المعاد هو حالة عامة لا يستثنى منها أحد . الآية التي بعدها تتحدث عن كيفية بعث الناس فتقول : وعرضوا على ربك صفا . إن استخدام هذا التعبير قد يكون إشارة إلى حشر كل مجموعة من الناس تتشابه في أعمالها في صف واحد ، أو أن الجميع سيكونون في صف واحد دون